الشيخ عبد الله البحراني

344

العوالم ، الإمام الرضا ( ع )

فقال للمأمون بعض أولئك : يا أمير المؤمنين أعيذك باللّه أن تكون تاريخ الخلفاء « 1 » في إخراجك هذا الشرف العميم ، والفخر العظيم ، من بيت ولد العبّاس إلى بيت ولد عليّ ، ولقد أعنت على نفسك وأهلك ، جئت بهذا الساحر ولد السحرة ، وقد كان خاملا فأظهرته ، ومتّضعا فرفعته ، ومنسيا فذكّرت به ، ومستخفّا فنوّهت به ، قد ملأ الدنيا مخرقة « 2 » وتشوّقا « 3 » بهذا المطر الوارد عند دعائه ، ما أخوفني أن يخرج هذا الرجل هذا الأمر عن ولد العبّاس إلى ولد عليّ ، بل ما أخوفني أن يتوصّل بسحره إلى إزالة نعمتك ، والتوثّب على مملكتك ، هل جنى أحد على نفسه وملكه مثل جنايتك ؟ فقال المأمون : قد كان هذا الرجل مستترا عنّا ، يدعو إلى نفسه ، فأردنا أن نجعله وليّ عهدنا ، ليكون دعاؤه لنا ، وليعترف بالملك والخلافة لنا ، وليعتقد فيه المفتونون به أنّه ليس ممّا ادّعى في قليل ولا كثير ، وأنّ هذا الأمر لنا من دونه ، وقد خشينا إن تركناه على تلك الحال ، أن ينفتق علينا منه ما لا نسدّه ، ويأتي علينا منه ما لا نطيقه ، والآن فإذ قد فعلنا به ما فعلنا ، وأخطأنا في أمره بما أخطأنا ، وأشرفنا من الهلاك بالتنويه به على ما أشرفنا ، فليس يجوز التهاون في أمره ، ولكنّا نحتاج أن نضع منه قليلا قليلا ، حتّى نصوّره عند الرعيّة بصورة من لا يستحقّ لهذا الأمر ، ثمّ ندبّر فيه بما يحسم عنّا موادّ بلائه . قال الرجل : يا أمير المؤمنين فولّني مجادلته ، فإنّي افحمه وأصحابه ، وأضع من

--> ( 1 ) - « قوله : أن تكون تاريخ الخلفاء ، كناية عن عظم تلك الواقعة وفظاعتها بزعمه ، فإنّ الناس يؤرّخون الأمور بالوقائع والدواهي » منه ره . ( 2 ) - « المخرقة بالقاف : الشعبذة والسحر كما يظهر من استعمالاتهم ، وإن لم نجد في اللغة ، ولعلّها من الخرق ، بمعنى السفه والكذب ، أو من المخراق الّذي يضرب به . وفي بعض النسخ بالفاء ، من الخرافات » منه ره . ( 3 ) - « التشوّق : التزيّن والتطلّع . وفي بعض النسخ « التسوّق » بالسين المهملة والقاف . ولعلّه مأخوذ من السوق ، أي : أعمال أهل السوق من الأداني . وفي القاموس : ساوقه : فاخره في السوق » منه ره .